|
بسم الله الرحمن الرحيم
قصّة المباهلة
قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وفد نجران فيهم بضعة عشر رجلا من أشرافهم، وثلاثة نفر يتولون أمورهم: العاقب وهو أميرهم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره، واسمه عبد المسيح، والسيد وهو ثمالهم وصاحب رحلهم، واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة الأسقف، وهو حبرهم و إمامهم وصاحب مدارسهم، وله فيهم شرف ومنزلة، وكانت ملوك الروم قد بنوا له الكنايس، وبسطوا عليه الكرامات لما يبلغهم من علمه واجتهاده في دينهم، فلما وجهوا إلى رسول الله جلس أبو حارثة على بغله وإلى جنبه أخ له يقال له: كرز أو بشر بن علقمة يسايره، إذ عثرت بغلة أبي حارثة، فقال كرز: تَعِسَ الأبعدُ يعني رسول الله صلى الله عليه اله.
وقال له أبو حارثة: بل أنت تعست.
قال: له ولم يا أخ ؟ فقال: والله إنه للنبي الذي كنا ننتظر فقال كرز: فما يمنعك أن تتبعه ؟ فقال: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرفونا ومولونا وأكرمونا وقد أبوا إلا خلافه، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى، فأضمر عليها منه أخوه كرز حتى أسلم.
فلما قدم على النبي صلى الله عليه وآله أسلم، قال: فقدموا على رسول الله وقت العصر وفي لباسهم الديباج وثياب الحيرة على هيئة لم يقدم بها أحد من العرب، فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لو لبست حلتك التي أهداها لك قيصر فرأوك فيها، قال: ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فسلموا عليه فلم يرد عليهم السلام ولم يكلمهم، فانطلقوا يبتغون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكانا معرفة لهم، فوجدوهما في مجلس من المهاجرين فقالوا: إن نبيكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا ولم يكلمنا، فما الرأي؟
فقالا لعلي بن أبي طالب: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟
قال: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ثم يعودون إليه، ففعلوا ذلك فسلموا فرد سلامهم ثم قال: والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم، ثم ساءلوه ودارسوه يومهم.
وقال الأسقف: ما تقول في السيد المسيح يا محمد؟
قال: هو عبد الله ورسوله، قال: بل هو كذا وكذا، فقال عليه السلام: بل هو كذا وكذا فترادا، فنزل على رسول الله من صدر سورة آل عمران نحو من سبعين آية يتبع بعضها بعضا وفيما أنزل الله: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} إلى قوله: {على الكاذبين} فقالوا للنبي صلى الله عليه وآله: نباهلك غداً.
وقال أبو حارثة لأصحابه: انظروا فإن كان محمد غَدَا بولده وأهل بيته فاحذروا مباهلته، وإن غَدَا بأصحابه وأتباعه فباهلوه.
قال أبان: حدثني الحسين بن دينار، عن الحسن البصري قال: غَدَا رسول الله آخذاً بيد الحسن والحسين تتبعه فاطمة، وبين يديه علي، وغَدَا العاقب والسيد بابنين على أحدهما درتان كأنهما بيضتا حمام، فحفوا بأبي حارثة، فقال أبو حارثة: من هؤلاء معه؟
قالوا: هذا ابن عمه زوج ابنته، وهذان ابنا ابنته، وهذه بنته أعز الناس عليه وأقربهم إلى قلبه.
وتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله فجثا على ركبتيه، فقال أبو حارثة: جثا والله كما جثا الأنبياء للمباهلة فكعَّ
ولم يقدم على المباهلة، فقال له السيد: ادنُ يا با حارثة للمباهلة.
فقال: لا، إني لأرى رجلاً جريئاً على المباهلة وأنا أخاف أن يكون صادقا فلا يحول والله علينا الحول وفي الدنيا نصراني يطعم الماء، قال: وكان نزل العذاب من السماء لو باهلوه، فقالوا: يا أبا القاسم إنا لا نباهلك ولكن نصالحك.
فصالحهم رسول الله على ألفي حلة من حلل الأواقي قيمة كل حلة أربعون درهماً جياداً، وكتب لهم بذلك كتاباً، وقال لأبي حارثة الأسقف: لكأنني بك قد ذهبت إلى رحلك وأنت وسنان فجعلت مقدمه مؤخره؛ فلما رجع قام يرحل راحلته فجعل رحله مقلوباً فقال: أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله.
|