بطلان القول بالجبر
لكن القول بالجبر مخالف للبداهة والوجدان، كيف ولو سلم جدلاً أن الله عزّ وجلّ غير ملزم بالجري على الضوابط العقلائية المشار إليها آنفاً، لأنه الحاكم عليها، والمالك لكل شيء، فلا إشكال في أن الناس في تعاملهم بعضهم مع بعض محكومون لتلك الضوابط العقلائية، وهم يفرقون في حسن توجيه التكليف، وفي استحقاق المدح والذم، والثواب والعقاب، وما يستتبع ذلك من الرضا عن النفس بالموافقة وتأنيبها ـ الذي هو عبارة عن الندم ـ بالمخالفة، يفرقون في ذلك كله بين فعل المجبور وفعل المختار.
وليس ذلك إلا لوضوح حصول الاختيار من الإنسان عندهم.
مع أن قبح عقاب المقهور العاجز، وكونه تعدياً وظلماً ينزه الله عزوجل عنه من البديهيات العقلية التي لا يحسن بالعاقل التشكيك فيها، ومجرد كونه تعالى هو المالك لكل شيء لا يكفي في منع كون ذلك تعدياً وظلماً.
هذا مضافاً إلى ما ستفاض من النصوص في الكتاب المجيد والسنة الشريفة من نسبة الأفعال للناس، وأن أفعالهم سبب لاستحقاقهم الثواب والعقاب، وأنه لولاها لكان عقابهم ظلماً، وأنهم سوف يندمون على ما فرطوا في أمرهم.
بطلان القول بالتفويض
كما أن البناء على التفويض أمر غير ممكن في نفسه، إذ كيف يعقل أن يخلق الله سبحانه شريكاً له يطلق له في قدرته، بحيث يضاده في تدبيره وسلطانه، ويغلبه على أمره؟!.
قال عز وجل: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَثَلاً مِن أنفُسِكُم هَل لَكُم مِن مَا مَلَكَت أيمَانُكُم مِن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقنَاكُم فَأنتُم فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُم كَخِيفَتِكُم أنفُسَكُم كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَومٍ يَعقِلُونَ﴾[1].
هذا مضافاً إلى ما استفاض في الكتاب المجيد والسنّة الشريفة من التأكيد على توقف أفعال الناس على مشيئة الله تعالى، وأنها تقع بإذنه، وعلى سعة سلطانه، وأنه لا يعجزه شيء.
وكذا ما استفاض أيضاً في النصوص الشريفة إنكار الجبر والتفويض معاً أشد الإنكار، والوعيد على القول بكل منهما بأشد العقاب. مع منافاة الجبر لعدل الله سبحانه، ومنافاة التفويض لسلطانه تعالى وشمولية تدبيره.
وذلك كله يكشف عن أن كلا القولين ناشئ عن شبهات عجز الناس عن حلّها بأنفسهم، فتخبطوا، ولم يرجعوا فيها لأهل البيت (صلوات الله عليهم) الذين جعلهم الله تعالى مرجعاً للأمة في دينها، وأماناً لها من الاختلاف والضلال، والذين هم النمرقة الوسطى التي إليها يرجع الغالي، وبها يلحق التالي.
الأمر بين الأمرين
أما الإمامية (رفع الله شأنهم) فقد اهتدوا بهدى أئمتهم (صلوات الله عليهم)، وجمعوا بين قدرة الإنسان واختياره في أفعاله وعموم سلطان الله تعالى وتقديره، وذلك بالبناء على كون الإنسان قادراً على الفعل وفاعلاً له باختياره، إلا أنه لا يخرج عن سلطان الله عزّ وجلّ، بل هو جلّ شأنه الذي أقدره، وكل ما يفعله بإذنه ومشيئته وقضائه وقدره.
فعن أمير المؤمنين(عليه السلام) في حديث طويل أنه أكد على القضاء والقدر، وعلى اختيار الإنسان في فعله وعدم اضطراره، ثم قال: «إن الله تبارك وتعالى كلّف تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يُطع مكرهاً، ولم يملّك مفوضاً...»[2].
وفي حديث أحمد بن أبي نصر عن الإمام الرضا(عليه السلام): «فقال لي: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. قال علي بن الحسين: قال الله عزّ وجلّ: يا ابن آدم: بمشيتي كنت أنت الذي تشاء، وبقوتي أديت إلي فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً...»[3].
وفي الدعاء الثاني والعشرين من أدعية الصحيفة السجادية، وهو دعاؤه(عليه السلام) في الشدة: «اللهم إنك كلفتني من نفسي ما أنت أملك به مني وقدرتك عليه وعليّ أغلب من قدرتي»، ونحوها غيرها مما هو كثير.
وإلى ذلك يرجع الأمر بين الأمرين والمنزلة بين المنزلتين التي أكدت عليها النصوص الكثيرة.
فعن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) أنه سئل عن القدر فنهى عن الكلام فيه، ولما أصرّ عليه السائل عنه قال: «لما أبيت فإنه أمر بين أمرين، لا جبر ولا تفويض»[4].
وفي حديث المفضل بن عمر عن أبي عبد الله(عليه السلام): «قال: لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين أمرين...»[5].
وعن غير واحد عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام): «قالا: إن الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب. والله أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون. قال: فسئلا(عليهما السلام): هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قالا: نعم أوسع مما بين السماء والأرض»[6].
وعن صالح بن سهل عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «سئل عن الجبر والقدر. فقال: لا جبر ولا قدر، ولكن منزلة بينهما فيها الحق. التي بينهما لا يعلمها إلا العالم أو من علمها إياه العالم»[7]. ونحوها غيرها.
وبالمناسبة التقيت في سفرتي إلى لندن للعلاج بأستاذ أوربّي له اختصاص في دراسة الأديان، وكان قد أسلم وتشيع، فسألته عما دعاه إلى الإسلام وإلى التشيع بالخصوص، فذكر أمرين:
الأول: أنه رأى الصلاة موجودة في بقية الأديان بوجه موزع ومتفرقة الأجزاء، أما في الإسلام فهي مجموعة في عمل عبادي واحد بما له من كيان متميز.
الثاني: الأمر بين الأمرين.
وقد أدرك ـ بما له من خبرة في هذا المجال ـ أن التنبه في تلك العصور للأمر بين الأمرين، والاطلاع على هذا السرّ الإلهي الغامض، معجزة للأئمة (صلوات الله عليهم) تشهد بإمامتهم وخلافتهم للنبي(صلى الله عليه وآله) في أمته، لتعتصم بهم من الزيغ والضلال. بينما بقي مخالفوهم من المسلمين وغيرهم في حيرة من أمرهم يتخبطون في الشبهات والضلالات.
و﴿الحَمدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهتَدِيَ لَولاَ أن هَدَانَا اللهُ﴾، وله الشكر أبداً سرمداً. وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.
ما يجب معرفته من أمر القضاء والقدر:
بقي شيء. وهو أنه لا دليل على وجوب العلم بهذه التفاصيل، فضلاً عن كونها من أصول الدين.
بل ورد النهي عن الكلام في القضاء والقدر، كما سبق، وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال عن ذلك: «طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسرّ الله فلا تتكلفوه»[8].
ولعل ذلك لتعقد الموضوع بنحو تقصر كثير من العقول عن الإحاطة به واستيعابه، ويخشى على أصحابها من الانحراف عن الصراط المستقيم إلى الإفراط أو التفريط.
ومن هنا يكفي الاعتقاد بكمال الله تعالى المطلق، وبعدله عز وجل وتنزيهه عن الظلم إجمالاً من دون دخول في التفاصيل. وعلى ذلك عامّة المؤمنين.
نعم لا إشكال في حرمة القول بكل من الجبر والتفويض، كما يظهر من النصوص الكثيرة الواردة في المقام. بل فيها من التشديد في ذلك ما يناسب كونهما كفراً، أو كالكفر.
والله سبحانه ولي العصمة والسداد، وهو الموفق للهدى والرشاد.