معنى أن الله تعالى لا يسأل عما يفعل
وأما قوله تعالى: ﴿لاَ يُسألُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسألُونَ﴾ فالمراد به أحد أمرين:
الأول: أنه تعالى الأعلم بالصلاح والفساد، ولا يتجاوزهما ليحاسب على فعله.
الثاني: أنه ليس له نظير أو رئيس، ليقف في وجهه ويحاسبه على فعله، كما قد يناسبه السياق.
قال تعالى: ﴿أم اتَّخَذُوا آلِهَةً مِن الأرضِ هُم يُنشِرُونَ* لَو كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ الله لَفَسَدَتَا فَسُبحَانَ اللهِ رَبِّ العَرشِ عَمَّا يَصِفُونَ* لاَ يُسألُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسألُونَ﴾[2].
وكيف كان فكونه تعالى لا يسأل عما يفعل لا ينافي أن يكون فعله سبحانه وتركه تابعين للصلاح والفساد، وفي حدود الموازين العقلية.
وعلى ما ذكرنا يجري قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُم إنَّ اللهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أنَّى يَكُونُ لَهُ المُلكُ عَلَينَا وَنَحنُ أحَقُّ بِالمُلكِ مِنهُ وَلَم يُؤتَ سَعَةً مِن المَالِ قَالَ إنَّ اللهَ اصطَفَاهُ عَلَيكُم وَزَادَهُ بَسطَةً فِي العِلمِ وَالجِسمِ وَاللهُ يُؤتِي مُلكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾[3].
فهو في الوقت الذي ذكر بيان حكمة جعل طالوت ملكاً وتميزه بما يؤهله من بسطة العلم والجسم نبّه على أن الملك لله عز وجل يؤتيه من يشاء، وأنه تعالى واسع عليم، ردعاً لهم عن الاعتراض عليه، واستنكاراً لذلك.
وفي الدعاء الثامن والأربعين من أدعية الصحيفة السجادية، وهو دعاء يوم الأضحى والجمعة: «إلهي إن رفعتني فمن ذا الذي يضعني؟! وإن وضعتني فمن ذا الذي يرفعني؟! وإن أكرمتني فمن ذا الذي يهينني؟! وإن أهنتني فمن ذا الذي يكرمني؟! وإن عذبتني فمن ذا الذي يرحمني؟! وإن أهلكتني فمن ذا الذي يعرض لك في عبدك، أو يسألك عن أمره؟! وقد علمت أنه ليس في حكمك ظلم، ولا في نقمتك عجلة، وإنما يعجل من يخاف الفوت، وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف، وقد تعاليت يا إلهي عن ذلك علواً كبيراً».
وهو كما ترى قد تضمن التأكيد على انفراد الله عزوجل بالسلطان، وأنه لا يسأل عن فعله، ومع ذلك نزهه عن الظلم وذكر أنه مستغن عنه.
وفي حديث أبي بصير عن الإمام الصادق(عليه السلام) حينما سأله لِـمَ صارت الإمامة في ولد الحسين(عليه السلام) دون ولد الحسن(عليه السلام)؟ قال(عليه السلام): «إن موسى وهارون كانا نبيين أخوين، فجعل الله عز وجل النبوة في صلب هارون دون صلب موسى(عليهما السلام)، ولم يكن لأحد أن يقول: لِمَ جعله الله في صلب الحسين دون صلب الحسن(عليهما السلام)، لأن الله تبارك وتعالى هو الحكيم في أفعاله، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون»[4].
فانظر كيف منع الاعتراض على الله تعالى في فعله وسؤاله عن وجهه، وعلله بأنه سبحانه حكيم في أفعاله.
وعلى كل حال لا يراد بقوله تعالى: ﴿لاَ يُسألُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسألُونَ﴾ أن أفعاله تعالى لا يجب أن تتقيد بضوابط الحسن والقبح. كيف وقد أكد القرآن المجيد على حكمة الله عز وجل.
وقال الله تعالى: ﴿أفَحَسِبتُم أنَّمَا خَلَقنَاكُم عَبَثاً وَأنَّكُم إلَينَا لاَ تُرجَعُونَ﴾[5]. حيث استنكر عليهم ان يحسبوا أن الله تعالى خلقهم عبثاً من دون حكمة.
وقال عزّ من قائل: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ﴾[6]. فإنه كالصريح في أنه تعالى لو كان يؤاخذ الناس بأفعالهم من دون إرسال الرسل لكانت للناس عليه الحجة، وكان خارجاً عن الموازين العقلائية، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وبذلك استفاضت النصوص عن أئمة أهل البيت (صلوات الله عليهم).
كما أنه يظهر مما ورد عنهم(عليهم السلام) في موارد مختلفة المفروغية عن التحسين والتقبيح العقليين. وإن كان الأمر أوضح من ذلك بعد إدراك العقل للحسن والقبح في كثير من الأمور بالبداهة.
من كتاب أصول العقيدة للمرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم
........................................................
[1] سورة الأنبياء: الآية 23.
[2] سورة الأنبياء: الآيات 21، 23.
[3] سورة الأنبياء: الآية 247.
[4]كمال الدين وتمام النعمة: 345.
[5]سورة المؤمنون: الآية 115.
[6] سورة النساء: الآية 165.