|
في نصوص إمامة الأئمة ( عليهم السلام ) بأشخاصهم
وقد تقدم أنه لا يلزم هنا التقيد بالنصوص الملزمة لعموم المسلمين، بل يكفي النصوص التي هي حجة وفق الضوابط الملزمة للقائلين بالنص على أمير المؤمنين(عليه السلام) وأهل البيت(عليهم السلام) عموماً في إمامة الدين والدنيا. كما أنه سبق أن أشرنا للنصوص المستفيضة بل المتواترة التي أطبق على روايتها الفريقان، وهي التي تضمنت أن الأئمة اثنا عشر، وذكرنا أنها لا تنطبق إلا على مذهب الإمامية في أن الإمامة بالنص الإلهي، وفي عدد الأئمة وفي مواصفاتهم. وقد ظهر مما سبق في المقام الأول أن أولهم أمير المؤمنين (صلوات الله عليه). كما أن الإمام من بعده هو الإمام الحسن(عليه السلام)، ومن بعده الإمام الحسين(عليه السلام)، لأنهما الموجودان مع أمير المؤمنين في عصر النبي(صلى الله عليه وآله) من أهل البيت، ومن الذرية الطاهرة، فلا يحتمل إرادة غيرهما دونهما. ولاسيما مع النص عليهما في بعض النصوص التي تقدمت رواية الجمهور لها، وفي النصوص المستفيضة، بل المتواترة، التي رواها الشيعة، ولا مجال لاستقصائها. بل يبدو أن إمامتهما ليست مورداً للإشكال عند كل من يقول بالنص، أو بأن الإمامة في أهل البيت(صلوات الله عليهم)، غاية الأمر أن الإمام الحسن(عليه السلام) هو المقدم، لأنه الأكبر، ولتقديمه في جملة من النصوص، ولأن أمير المؤمنين(عليه السلام) قد أوصى إليه من بعده. بل فرض إمامته مستلزم لتقدمه على الإمام الحسين(عليه السلام)، لأنه مات قبله.
لابد من قصر الإمامة على الفاطميين هذا ولا ينبغي التأمل في أن الإمامة من بعد الإمام الحسين(عليه السلام) لابد أن تكون في العلويين من بني هاشم، وفي خصوص الفاطميين منهم.. أولاً: لأنهم من أهل البيت، ولو بلحاظ كونهم من ذريتهم، بخلاف غيرهم من العلويين والهاشميين. وثانياً: للنصوص المتضمنة أنهم من ذرية رسول الله(صلى الله عليه وآله) والمتضمنة أنهم من ذرية أمير المؤمنين(صلوات الله عليه)، وهي نصوص كثيرة جداً رواها الشيعة، ولا يسعنا استقصاؤها، فلتطلب من المطولات، وقد تقدم نظيرها من رواية الجمهور.
الإمامة بعد الحسين(عليه السلام) في ذريته وفي الأعقاب كما أنه قد استفاضت النصوص، بل تواترت وزادت على التواتر في أن الإمامة في ذرية الإمام الحسين (صلوات الله عليه). وقد تقدم في أحاديث الجمهور بعض منها. كما استفاضت في أنها تكون بعد الحسن والحسين(عليهما السلام) في الأعقاب من الأب لولده، ولا تكون في أخ ولا عم ولا خال. وكثرة هذه النصوص تمنعنا عن التعرض لها.
آية أولو الأرحام إلا أنه يحسن التنبيه إلى ما في جملة منها[1] من الاستدلال على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الأرحَامِ بَعضُهُم أولَى بِبَعضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾[2] وأنها تجري في الحسين(عليه السلام) ومن بعده من الأئمة، دون من قبله. وحاصل الاستدلال المذكور: أن الله سبحانه أنزل على النبي(صلى الله عليه وآله) الولاية في أمير المؤمنين والحسن والحسين(عليهم السلام)، فبلغ بها النبي(صلى الله عليه وآله)، فهم شركاء فيها، وإنما تقدم بعضهم على بعض لمرجحات بينهم، فلم يكن لأمير المؤمنين(عليه السلام) أن يصرفها عن الحسن والحسين(عليهما السلام) لغيرهما من ولده، لأنهما شريكاه في تبليغ النبي(صلى الله عليه وآله) بالولاية في حقهم. كما لم يكن للحسن(عليه السلام) أن يصرفها عن الحسين(عليه السلام) لولده، لأنه شريكه في ذلك. أما الحسين(عليه السلام) فلم يكن له حين وفاته أحد يشركه في الإمامة. ومن هنا جرت في حقه الآية الشريفة، فلم يكن له أن يصرفها إلى غير ولده. وكذا حال الأئمة من ذريته (صلوات الله عليهم)، فهي تجري في الأعقاب من الأب لولده. وبهذا يظهر الوجه في استدلال أمير المؤمنين(عليه السلام) بالآية الشريفة في كتابه إلى معاوية، حيث قال فيه: «وكتاب الله يجمع لنا ما شذّ عنا، وهو قوله: ﴿وَأُولُو الأرحَامِ بَعضُهُم أولَى بِبَعضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿إنَّ أولَى النَّاسِ بِإبرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ المُؤمِنِينَ﴾. فنحن مرة أولى بالقرابة، وتارة أولى بالطاعة. ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله(صلى الله عليه وآله) فلجوا عليهم، فإن لم يكن الفلج به فالحق لنا دونكم، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم»[3]. فإن الرحم وإن كان موجباً لوراثة المنصب وغيره، إلا أنه لا ينافي الترجيح بين الأرحام لأمر خارج عن الرحمية، كالطاعة والجهاد والسبق للإيمان، كما يشير له استدلاله(عليه السلام) بالآية الأخرى. وما ورد من أنه(عليه السلام) سئل بم ورثت ابن عمك دون عمك؟ فذكر حديث الدار المتقدم في جملة من النصوص الواردة في حقه[4]، ونحوه روي عن قثم بن عباس[5]. وما سبق عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قد يناسب سياق الآية الشريفة، قال الله عز وجل: ﴿النَّبيّ أَولَى بِالمُؤمِنِيْنَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُم وَأُولُو الأرحَامِ بَعضُهُم أولَى بِبَعضٍ فِي كِتَابِ اللهِ...﴾[6]. فإن ذكر أولوية أولي الأرحام بعد التعرض لأولوية النبي(صلى الله عليه وآله) بالمسلمين قد يناسب عموم أولوية أولي الأرحام لأولوية النبي(صلى الله عليه وآله) المذكورة، وأن أولويته(صلى الله عليه وآله) بالمسلمين تكون من بعده لأرحامه. بل يبدو من بعض النصوص التاريخية الواردة فيما يسمى بحروب الردة مع كندة أن عامة الناس كانت تفهم من الآية الشريفة العموم للإمامة والولاية على الناس. ففي حديث طويل بين الحارث بن معاوية من كندة وزياد بن لبيد عامل أبي بكر: «فقال له الحارث: أخبرني لم نحيتم عنها أهل بيته وهم أحق الناس بها، لأن الله عزوجل يقول: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾؟ فقال له زياد بن لبيد: إن المهاجرين والأنصار أنظر لأنفسهم منك. فقال له الحارث بن معاوية: لا والله ما أزلتموها عن أهلها إلا حسداً منكم لهم...»[7].
بقي في المقام أمران: الأمر الأول: أن الاستدلال بالآية الشريفة لا يراد به أن الرحمية هي السبب الوحيد لانتقال هذا المنصب العظيم من الميت للحي، كما هي السبب لانتقال المال، بل مرجع ذلك إلى أن هذا المنصب الرفيع وإن كان تابعاً للنص من الله تعالى على شخص الإمام، لمؤهلاته الذاتية، وبلوغه الدرجة العليا في الكمال النفسي والسلوكي، إلا أن الله عز وجل يصطفي بتقديره وسابق علمه من أرحام صاحب المنصب السابق من هو أهل له نتيجة المؤهلات المذكورة، وينص سبحانه عليه تبعاً لذلك. فالمنصب المذكور وإن كان ينتقل من الميت للحي بالنص من الله عز وجل، إلا أنه وفق ضوابط الرحمية المعهودة. وبذلك تكون أولوية الحي بالميت نسباً ملازمة للنص الإلهي ودليلاً عليه.
ولعل حكمة مراعاة ضوابط الرحمية في هذا المنصب العظيم من وجهين: أحدهما: أنه أدعى لانشداد الأتباع بآباء المنصوص عليه من الأئمة (صلوات الله عليهم) بما في ذلك صاحب الدعوة ومؤسسها، وهو النبي(صلى الله عليه وآله)، وأحرى بتعلقهم بهم واحترامهم وتقديسهم لهم، ما بقيت الدعوة فاعلة لها أتباع يحملونها. لأن المفروض فيمن يتسنم هذا المنصب العظيم أن يكون المثل الأعلى لرعيته في جهات الكمال النفسي والسلوكي، فشعور الرعية بأنه امتداد طبيعي لمن سبقه ـ لأنه من عترتهم وذريتهم ـ يزيد من تعلقها بهم (صلوات الله عليهم) وتقديسها لهم وتفاعلها بهم وبتعاليمهم السامية. فهو نظير ما ورد من أن الأنبياء يكونون أوسط قومهم نسباً[8]، وما ورد عن النبي(صلى الله عليه وآله) من أنه قال في حديث له: «ألا إن الله عز وجل خلق خلقه فجعلني من خير خلقه، ثم فرقهم فرقتين فجعلني من خير الفرقتين، ثم جعلهم قبائل فجعلني من خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتاً فجعلني من خيرهم بيتاً. وأنا خيركم بيتاً وخيركم نفساً»[9]. فإن الله سبحانه وإن كان قادراً على أن يجعل أفضل الأنبياء من أرذل البيوت والقبائل، إلا أن رفعة قبيلته وبيته أدعى لاحترام الناس له وقبولهم دعوته وتفاعلهم به وبتعاليمه. ثانيهما: أن ذلك أحرى بتقبل النص على الإمام اللاحق والانصياع له بالنظر لأعراف المجتمع الإنساني، وأبعد للتنافس والتسابق عليه، لأن أولوية أولي الأرحام من الارتكازيات العامة. وقد أشرنا لما يناسب ذلك في جواب السؤال الرابع من الجزء الثاني من كتابنا (في رحاب العقيدة). كما أنه أدعى لاحترام الإمام المنصوص عليه والقبول منه والتفاعل معه مهما طالت سلسلة النسب بينه وبين النبي(صلى الله عليه وآله)، لأن سلسلة النسب الشريف تكتسب من السابق ومن اللاحق احتراماً مضاعفاً وقدسية مؤكدة ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾[10]. ولذا صار لحديث سلسلة الذهب المشهور الشأن العظيم عند المسلمين من غير شيعة أهل البيت(عليهم السلام)، فضلاً عن شيعتهم. هذا وقد يحاول بعض الناس نقد ذلك بأنه نحو من الاستئثار العائلي والاستغلال النسَبي، الذي لا يناسب مقام النبوة الرفيع وخلافتها المباركة. لكن ذلك إنما يتجه إذا ابتنت الإمامة والخلافة على التعالي والتجبر والاستغلال والاستئثار، كما حصل على أرض الواقع في القبائل التي حكمت بالقوة باسم الدين أو غيره. أما إذا ابتنت على التحلي بمكارم الأخلاق، ومواساة الرعية وخدمتهم، والإحسان للعامة والتواضع لهم والتعايش معهم ـ كما هو المفروض في الإمام المنصوص عليه ـ فلا استغلال ولا استئثار، بل هو توفيق من الله تعالى وفضل منه يخص به من يشاء من عباده، يكون سبباً لتعلق الرعية بأئمتها وخلفاء الله تعالى فيها، وتفاعلها بهم وبتعاليمهم الإلهية المقدسة. غاية الأمر أن ذوي النفوس المريضة والحسد القاتل، الذين يصعب عليهم الاعتراف لذي الفضل بفضله، ويريدون أن يتقدموا من دون أن يقدموا شيئاً، هؤلاء هم الذين يضيقون بذلك ذرعاً. وهي سنّة الله تعالى في خلقه. قال عزّ من قائل: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً﴾[11]. وقال جلّ شأنه: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾[12]. الأمر الثاني: أن الاستدلال بآية (أولوا الأرحام) لحصر الإمامة في ذرية الإمام الحسين(عليه السلام)، وأنها تجري في الأعقاب من الأب لولده إنما يحتاج إليه في حق صنفين من الناس: الأول: من لم تبلغه النصوص الخاصة بأسماء بقية الأئمة(عليهم السلام)، لعدم كون تلك النصوص من الظهور والانتشار كالنصوص الواردة في حق أمير المؤمنين والحسنين (صلوات الله عليهم)، وهو الحال فيما تقدم من استدلال الحارث بن معاوية في حروب كندة، لعدم اطلاعه على النصوص الصريحة الخاصة، لبعده عن المدينة المنورة التي هي مركز التشريع والثقافة الدينية. الثاني: من لا يذعن لهذه النصوص، لأنها تنافي دعوته أو انتماءه، بخلاف النصوص الواردة في حق أمير المؤمنين والحسنين (صلوات الله عليهم)، فإنها لا تنافي دعوته وانتماءه، كما هو الحال في مثل الكيسانية والزيدية والفطحية وغيرهم. وهو الحال في استدلال أمير المؤمنين(عليه السلام) بالآية الكريمة في كتابه المتقدم لمعاوية.
نصوص إمامة الأئمة من ذرية الحسين(عليه السلام) وبعد ذلك علينا أن نتعرض للنصوص المتضمنة لتعيين الأئمة التسعة من ذرية الإمام الحسين(عليه السلام) بأشخاصهم، سواء كانت تلك النصوص واردة عن النبي(صلى الله عليه وآله) أم كانت واردة عن أمير المؤمنين أو الإمامين الحسن والحسين(صلوات الله عليهم). إذ بعد ثبوت إمامتهم يتعين قبول ما ورد عنهم. بل يكفي في إثبات إمامة كل إمام النصوص الواردة عن الإمام السابق عليه، لأن الكلام في إمامة اللاحق إنما يكون بعد ثبوت إمامة السابق والفراغ عنها.
إذا عرفت هذا فنقول: النصوص طائفتان:
الأحاديث المتضمنة ذكر الأئمة (عليهم السلام) الطائفة الأولى: ما تضمن ذكر الأئمة الاثني عشر واحداً بعد واحد بأشخاصهم، كنصوص اللوح والأنوار وغيرها. وهي كثيرة جداً، وأغلبها طويل. وقد استعرضناها باختصار في الجزء الثالث من كتابنا (في رحاب العقيدة). وهي تقرب من خمسين حديثاً عن النبي(صلى الله عليه وآله)، وحديث عن الإمام الحسين(عليه السلام) مفسراً لحديث النبي(صلى الله عليه وآله)، وحديث عن الإمام الباقر(عليه السلام) في بيان الأنوار التي رآها إبراهيم(عليه السلام)، ومن المعلوم أنه لا يخبر بذلك إلا عن آبائه (صلوات الله عليهم) عن النبي(صلى الله عليه وآله)، وحديث عن الخضر(عليه السلام) مروي بطرق متعددة عن البرقي الثقة عن الإمام الجواد(عليه السلام) في محاورة للخضر مع أمير المؤمنين والإمام الحسن(عليهما السلام). كما أن في تلك النصوص حديثان عن الإمام الباقر(عليه السلام) في تعداد الأئمة، وسبعة أحاديث عن الإمام الصادق(عليه السلام)، وحديث عن الإمام الكاظم(عليه السلام)، وحديث عن الإمام الرضا(عليه السلام). وهي إن لم تنفع على الإطلاق ـ بلحاظ العلم بأنهم(عليهم السلام) لا يخبرون في مثل هذا الأمر الغيبي إلا بعد أخذه عن آبائهم عن النبي(صلى الله عليه وآله) ـ فلا أقل من أن تنفع بعد ثبوت إمامتهم في إثبات إمامة من بعدهم من الأئمة(عليهم السلام).
النص على كل إمام ممن قبله من آبائه(عليهم السلام) الطائفة الثانية: ما تضمن نص النبي(صلى الله عليه وآله) أو أحد الأئمة(عليه السلام) على إمامة بعض من بعدهم من الأئمة بأشخاصهم. وهي نصوص كثيرة أيضاً. وقد ذكرناها أيضاً في الجزء الثالث من كتابنا (في رحاب العقيدة). ونحن نقتصر هنا ـ تجنباً عن التطويل ـ على ذكر أعدادها، وبعض المؤيدات لها في حق كل إمام إمام.
الإمام علي بن الحسين زين العابدين(عليه السلام) 1ـ الإمام أبو محمد علي بن الحسين السجاد زين العابدين (صلوات الله عليه)، وقد يكنى بأبي الحسن. والأحاديث في حقه تقارب الثلاثين. وهي بضميمة ما سبق في الطائفة الأولى تبلغ الثمانين أو أكثر. ويضاف لها النصوص المستفيضة المتضمنة أن الأئمة من ذرية الحسين(عليه السلام) من دون تعيين لهم، ومنها ما تضمن الاستدلال بآية أولو الأرحام كما سبق، لما هو المعلوم من انحصار ذرية الحسين(عليه السلام) بعد مقتله بالإمام زين العابدين(عليه السلام).
الإمام محمد بن علي الباقر(عليه السلام) 2ـ الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر (صلوات الله عليه). والأحاديث في حقه أكثر من ثلاثين. وهي بضميمة ما سبق في الطائفة الأولى تزيد على الثمانين. ويضاف إلى ذلك ما تضمن أن الإمامة في ذرية الحسين(عليه السلام)، لانحصار ذرية الحسين(عليه السلام) بعد الإمام زين العابدين(عليه السلام) بالإمام الباقر(عليه السلام) وإخوته، ولا يظهر من إخوته من تدعى له الإمامة بالنص، فإن الزيدية وإن قالوا بإمامة أخيه زيد، إلا أن منشأ إمامته عندهم خروجه بالسيف، من دون أن يدعى النص عليه من الله تعالى، فيخرج عن محل الكلام.
ما يشهد بعدم إمامة زيد الشهيد مضافاً إلى أمرين: الأول: أنه قد وردت نصوص كثيرة عن زيد نفسه وعن أولاده وعن الأئمة (صلوات الله عليهم) بأنه لم يدّع الإمامة لنفسه، وأنه كان مقراً بإمامة الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام)، وإنما دعا للرضا من آل محمد(صلى الله عليه وآله)، وأنه لو ظفر لوفى. الثاني: أنه إنما خرج بعد سنة مائة وعشرين، بعد وفاة الإمام زين العابدين(عليه السلام) بمدة طويلة، بل حتى بعد وفاة الإمام الباقر(عليه السلام) بمدة أيضاً، فلو كان خروجه سبب إمامته بعد أبيه لزم خلوّ الأرض من الإمام. وقد سبق إجماع الشيعة على امتناع ذلك، وأنه يستفاد أيضاً من النصوص التي رواها الفريقان.
الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) 3ـ الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (صلوات الله عليه). وقد ورد عن آبائه(عليهم السلام) النص على إمامته فيما يقرب من عشرين حديثاً، وهي بضميمة ما سبق في الطائفة الأولى تزيد على سبعين حديثاً. ويضاف إلى ذلك طائفتان من الأحاديث.
سلاح النبي(صلى الله عليه وآله) لا يكون إلا عند الإمام الأولى: الأحاديث الكثيرة المتضمنة أن سلاح رسول الله(صلى الله عليه وآله) لا يكون إلا عند الإمام[13]، وفيها ما ورد عن الإمام الباقر(عليه السلام)، كحديث بريد عنه(عليه السلام): «في قول الله تبارك وتعالى: ﴿إنَّ اللهَ يَأمُرُكُم أن تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إلَى أهلِهَا...﴾ قال: إيانا عنى، أن يؤدي الأول منّا إلى الإمام الذي يكون بعده السلاح والعلم والكتب»[14]. وحديث الحسن بن أبي سارة عنه(عليه السلام) قال: «السلاح فينا بمنزلة التابوت، إذا وضع التابوت على باب رجل من بني إسرائيل علم بنو إسرائيل أنه قد أوتي الملك. وكذلك السلاح حيثما دارت دارت الإمامة»[15]. ونحوهما غيرهما، بل يظهر ذلك مما ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في وصيته حين حضرته الوفاة[16]. حيث تصلح هذه الأحاديث لإثبات إمامة الإمام الصادق(عليه السلام) بضميمة النصوص الكثيرة المتضمنة أن السلاح كان عنده(عليه السلام)[17]، كحديث عبد الأعلى بن أعين قال: «سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: عندي سلاح رسول الله(صلى الله عليه وآله) لا أنازع فيه»[18]. وفي حديث سعيد السمان أنه(عليه السلام) قال: «وإن عندي لسيف رسول الله(صلى الله عليه وآله) ودرعه ولامته ومغفره... وإن عندي لراية رسول الله...»[19]. ونحوهما غيرهما.
جريان الإمامة في الأعقاب من الوالد لولده الثانية: ما أشرنا إليه آنفاً من الأحاديث المتضمنة أن الإمامة بعد الحسن والحسين(عليهما السلام) تجري في الأعقاب من الأب لولده، ولا تكون في أخ ولا عم ولا خال، وفي بعضها الاستدلال بآية أولى الأرحام. وقد ورد بعض هذه الأحاديث عن الإمام الباقر(عليه السلام) الذي ثبتت إمامته بما سبق. ففي حديث أبي حمزة عنه: «قال: يا أبا حمزة إن الأرض لن تخلو إلا وفيها عالم منّا، فإن زاد الناس قال: قد زادوا، وإن نقصوا قال: قد نقصوا، ولن يخرج الله ذلك العالم حتى يرى في ولده من يعلم مثل علمه أو ما شاء الله»[20]. وفي حديث أبي بصير عنه(عليه السلام): «في قوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ إنها في الحسين(عليه السلام) ينتقل من ولد إلى ولد، ولا ترجع إلى أخ ولا عم»[21]. وإذا كانت الإمامة في أولاد الإمام الباقر(عليه السلام) بمقتضى هذه النصوص فلابد أن تكون في الإمام الصادق(عليه السلام)، لعدم ظهور المنازع له من إخوته. ولو فرض وجوده في وقته فقد انقرض وماتت دعوته، ولا ناطق بها الآن. وقد سبق أن ذلك من شواهد بطلان الدعوة، كما ذكرناه غير مرة وفصلنا الكلام فيه في الحديث حول الشورى.
ظهور تميز الإمام الصادق(عليه السلام)في عصره ويبدو من بعض الأخبار أن الإمام الصادق(عليه السلام) قد عرف عند بعض الخاصة من غير الشيعة بأنه الشخص المتميز عن أهل بيته، وأنه لو كان هناك نص فهو منحصر به لا يتجاوزه لغيره. 1ـ يقول المنصور الدوانيقي: «إن جعفراً كان ممن قال الله فيه: ﴿ثُمَّ أورَثنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصطَفَينَا مِن عِبَادِنَا﴾ وكان ممن اصطفاه الله وكان من السابقين بالخيرات»[22]. 2ـ ويقول المنصور أيضاً لابن مهاجر ـ بعد أن نقل له ابن مهاجر كرامة للإمام الصادق(عليه السلام) ـ: «يا ابن مهاجر اعلم أنه ليس من أهل بيت النبوة إلا وفيه محمد محدث، وإن جعفر بن محمد محدثنا اليوم»[23]. 3ـ ويقول موسى بن المهدي العباسي في أعقاب واقعة فخ: «ولولا ما سمعت من المهدي فيما أخبر به المنصور، بما كان به جعفر من الفضل المبرز عن أهله في دينه وعلمه وفضله، وما بلغني عن السفاح من تقريظه وتفضيله، لنبشت قبره وأحرقته بالنار إحراقاً»[24].
الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام) 4ـ الإمام أبو إبراهيم موسى بن جعفر (صلوات الله عليه). وقد يكنى بأبي الحسن، أو أبي الحسن الأول، وقد يلقب بالعبد الصالح. وقد ورد في النص على إمامته من آبائه(عليهم السلام) ما يقرب من أربعين حديثاً. وإذا أضيف إليها ما سبق في الطائفة الأولى تجاوزت النصوص على إمامته المائة حديث. هذا مضافاً إلى المجموعتين من النصوص التي تقدم التعرض لهما عند التعرض لنصوص إمامة الإمام الصادق(عليه السلام).
نصوص سلاح النبي(صلى الله عليه وآله) الأولى: النصوص الكثيرة المشار إليها آنفاً المتضمنة أن سلاح رسول الله(صلى الله عليه وآله) لا يكون إلا عند الإمام، والكثير منها قد ورد عن الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام)، فيصح الاحتجاج به لإمامة الإمام الكاظم(عليه السلام) بضميمة ما تضمن أن السلاح عنده، كحديث محمد بن حكيم عنه(عليه السلام): «قال: السلاح عندنا مدفوع عنه...»[25]. ويظهر من غيره. وكذا النصوص المتضمنة وجود السلاح عند الأئمة من ولده(عليه السلام)، كما يأتي إن شاء الله تعالى، ضرورة انتقاله إليهم منه(عليه السلام).
نصوص جريان الإمامة في الأعقاب الثانية: نصوص جريان الإمامة بعد الحسن والحسين(عليهما السلام) في الأعقاب من الأب لولده ولا تنتقل في أخ ولا عم. وإذا كان ما ينهض بالاحتجاج منها في حق الإمام الصادق(عليه السلام) خصوص ما ورد منها عن الإمام الباقر(عليه السلام)، فإن ما ينهض بالاحتجاج في حق الإمام الكاظم(عليه السلام) هو تلك النصوص مع ما ورد منها عن الإمام الصادق(عليه السلام) التي هي كثيرة جداً. بل لعل هذه القضية بلغت من الظهور بعد الإمام الصادق(عليه السلام) حداً جعلها أمراً متسالماً عليه بين الشيعة وحقيقة ثابتة عندهم، كما يظهر مما يأتي في بقية الأئمة (صلوات الله عليهم). وإذا كانت الإمامة بمقتضى هذه النصوص تنحصر بعد الإمام الصادق(عليه السلام) بأولاده فلم يدع أحد الإمامة لغير الإمام الكاظم(عليه السلام) إلا الإسماعيلية القائلين بانتقال الإمامة في عقب إسماعيل بن الإمام الصادق(عليه السلام) والفطحية القائلين بإمامة عبد الله الأفطح ابنه أيضاً.
بطلان دعوى الإسماعيلية لكن إسماعيل قد مات في حياة الإمام الصادق(عليه السلام) قطعاً. فإن رجعت دعوى الإسماعيلية إلى ثبوت الإمامة له في حياته وانتقالها منه لعقبه بعد وفاته فيبطلها.. أولاً: النصوص الكثيرة النافية لإمامته سواءً تضمنت نفيها صريحاً، أم بالملازمة، كنصوص الطائفة الأولى، حيث لم تذكره في جملة الأئمة، والنصوص المصرحة بإمامة الإمام الكاظم(عليه السلام) بعد الإمام الصادق(عليه السلام). وثانياً: بأنه لا يمكن اجتماع إمامين في زمان واحد إلا بمعنى أن يكون أحدهما بمرتبة الإمامة، ليكون مهيأ لانتقالها إليه بعد موت الإمام السابق، وهذا لا يكون مع موته قبله. وإن رجعت دعوى الإسماعيلية إلى انتقال الإمامة من الإمام الصادق(عليه السلام) إلى عقب إسماعيل من دون توسط إمامة إسماعيل. فيبطلها.. أولاً: النصوص الكثيرة ـ من الطائفتين الأولى والثانية ـ المتضمنة انتقال الإمامة من الإمام الصادق(عليه السلام) للإمام الكاظم(عليه السلام). وثانياً: نصوص جريان الإمامة في الأعقاب من الأب لولده لظهورها في الولد دون ولد الولد. ويزيد في وضوح بطلان دعوى الإسماعيلية كيفما كانت أمران: الأول: أنه لم يعرف عن أولاد إسماعيل أنهم ادعوا الإمامة أو تصدوا لها بعد الإمام الصادق(عليه السلام)، وإنما ظهرت هذه الدعوة بعد مدة طويلة لتصحيح خلافة الفاطميين. الثاني: أنهم يزيدون في عدد الأئمة على الاثني عشر، فيبطل قولهم النصوص الكثيرة بل المتواترة المتضمنة أن الأئمة اثنا عشر.
بطلان دعوى الفطحية وأما الفطحية فيبطل دعواهم.. أولاً: النصوص الكثيرة المتضمنة انتقال الإمامة من الإمام الصادق(عليه السلام) للإمام الكاظم(عليه السلام). وثانياً: أن عبد الله الأفطح مات بعد الإمام الصادق(عليه السلام) بقليل من دون أن يعقب. فإن قيل بتوقف الإمامة عنده، فذلك مخالف للنصوص المتضمنة أن الأئمة اثنا عشر، والنصوص الكثيرة المتضمنة أن الأرض لا تخلو من إمام. وإن قيل بانتقال الإمامة منه إلى أخيه الإمام الكاظم(عليه السلام) ـ كما جرى عليه بعضهم ـ تبطل دعواهم أمور: الأول: نصوص جريان الإمامة في الأعقاب. الثاني: أن الإمام الكاظم(عليه السلام) ومن بعده من الأئمة مجمعون على عدم إمامته، كما يشهد بذلك النصوص الواردة عنهم في تعداد الأئمة(عليهم السلام) وغيرها من أحاديثهم، وإجماع شيعتهم. الثالث: أن عبد الله لو كان إماماً متوسطاً بين أبيه وأخيه لزم كون الإمام الثاني عشر هو الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)، وحيث إنه قد توفي، فإن قيل بتوقف الإمامة عنده منعت من ذلك النصوص الكثيرة جداً ـ المشار إليها آنفاً ـ الحاكمة بعدم خلوّ الأرض عن الإمام، والنصوص الكثيرة بل المتواترة المتضمنة أن خاتم الأئمة هو الإمام المهدي الذي اسمه اسم النبي(صلى الله عليه وآله)، والذي يظهر الله تعالى به الحق ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. وإن قيل بانتقال الإمامة من الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) لولده الحجة المنتظر (عجّل الله فرجه) لزم كون الأئمة ثلاثة عشر، وهو مخالف للنصوص المشار إليها آنفاً. الرابع: أن هذه الطائفة قد انقرضت ولم يبق من يحمل دعوتها ويدعو إليها، وهو شاهد بمخالفتها للحق، وإلا لزم اجتماع الأمة على ضلال، كما سبق نظيره.
تميز الإمام الكاظم(عليه السلام) بالوصية هذا ويظهر من بعض الأخبار تميز الإمام الكاظم(عليه السلام) بالوصية بالنص كان معروفاً عند بعض الخاصة من غير الشيعة. 1ـ فهذا موسى بن المهدي حينما أدخل عليه أسرى واقعة الحسين شهيد فخ ذكر الإمام الكاظم(عليه السلام) فنال منه، وقال: «والله ما خرج حسين إلا عن أمره، ولا اتبع إلا محبته، لأنه صاحب الوصية في أهل هذا البيت. قتلني الله إن أبقيت عليه»[26]. 2ـ وروي عن المأمون في حديث له مع الرشيد حول الإمام الكاظم(عليه السلام) قال: «فلما خلا المجلس قلت له: يا أمير المؤمنين، من هذا الرجل الذي قد عظمته وأجللته...؟ قال: هذا إمام الناس وحجة الله على خلقه وخليفته على عباده. فقلت: يا أمير المؤمنين أليست هذه الصفات كلها لك وفيك؟! فقال: أنا إمام الجماعة في الظاهر بالغلبة والقهر، وموسى بن جعفر إمام حق. والله يا بني إنه لأحق بمقام رسول الله(صلى الله عليه وآله) مني ومن الخلق جميعاً. ووالله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك، فإن الملك عقيم»[27].
الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) 5ـ الإمام أبو الحسن علي بن موسى الرضا (صلوات الله عليه). وقد ورد النص على إمامته في ستة وأربعين حديثاً. وإذا أضيف إليها نصوص الطائفة الأولى قاربت النصوص عليه مائة وعشرة أحاديث. مضافاً إلى المجموعتين المتقدمتين عند التعرض لنصوص إمامة الإمام الصادق(عليه السلام). وهما كلما تعاقب الأئمة(عليهم السلام) زادا كثرة، وزاد مضمونهما وضوحاً عند الشيعة، بسبب تعرض الأئمة المتأخرين له وتأكيدهم عليه.
أحاديث سلاح رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) الأولى: الأحاديث المتضمنة أن سلاح رسول الله(صلى الله عليه وآله) لا يكون إلا عند الإمام، بضميمة ما تضمن أنه كان عند الإمام الرضا(عليه السلام)، كحديث سليمان بن جعفر: «كتبت إلى أبي الحسن(عليه السلام): عندك سلاح رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟ فكتب بخطه الذي أعرفه: هو عندي»[28]. وحديث أحمد بن أبي عبد الله عنه(عليه السلام): «سألته عن سيف ذي الفقار سيف رسول الله(صلى الله عليه وآله) من أين هو؟ قال: هبط به جبرئيل(عليه السلام) من السماء، وكانت حليته من فضة. وهو عندي»[29]، ويظهر ذلك من غيرهما أيضاً.
أحاديث جريان الإمامة في الأعقاب الثانية: ما تضمن أن الإمامة بعد الحسن والحسين(عليهما السلام) تجري في الأعقاب ولا تنتقل إلى أخ أو عم. وحيث لم يَدَّعِ ولم يُدَّعَ لأحد من إخوته الإمامة بالنص فهي تنحصر به. ولعله لذا انحصر الخلاف في إمامته بالواقفة الذين أنكروا موت الإمام الكاظم(عليه السلام)، وادعوا ختم الإمامة به، وأنه الإمام المنتظر، وأن غيبته في سجنه. لكن يبطل دعواهم أمور.
بطلان دعوى الواقفة الأول: القطع بموت الإمام الكاظم(عليه السلام) بنحو يلحق بالبديهيات. الثاني: النصوص الكثيرة التي هي مورد الكلام، حيث تشهد بأن الإمام الكاظم(عليه السلام) يموت، وأن الإمام من بعده ولده الإمام الرضا(عليه السلام). الثالث: النصوص الكثيرة المتضمنة أن الأئمة اثنا عشر، والمتضمنة أن تسعة من الأئمة من ذرية الحسين(عليه السلام)، وأن المهدي (عجّل الله فرجه) هو الثاني عشر منهم، والتاسع من ذرية الحسين(عليه السلام). الرابع: النصوص المستفيضة، بل المتواترة التي رواها الفريقان المتضمنة أن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) اسمه اسم النبي(صلى الله عليه وآله). الخامس: أن هذه الفرقة قد انقرضت، ولم يبق منها من يحمل دعوتها ويدعو إليها، وذلك دليل على بطلانها وضلالها، كما سبق.
الإمام محمد بن علي الجواد(عليه السلام) 6ـ الإمام أبو جعفر محمد بن علي الجواد (صلوات الله عليه). وقد يلقب بالتقي. وقد ورد النص عليه في سبعة وعشرين حديثاً. وإذا أضيف إليها نصوص الطائفة الأولى بلغت النصوص الدالة على إمامته التسعين. ويضاف إلى ذلك المجموعتان المشار إليهما عند الكلام في نصوص إمامة آبائه (صلوات الله عليهم). وهي في دوره(عليه السلام) أكثر عدداً ومضمونها أشدّ ظهوراً بين الشيعة، وأقوى تركزاً في نفوسهم.
أحاديث سلاح النبي(صلى الله عليه وآله) الأولى: النصوص المتضمنة أن سلاح رسول الله(صلى الله عليه وآله) لا يكون إلا عند الإمام بضميمة بعض النصوص الظاهرة في أنه كان عنده، كحديث إبراهيم بن هاشم عن أبي جعفر(عليه السلام): «قال: إن السلاح فينا بمنزلة التابوت في بني إسرائيل، يدور الملك حيث دار السلاح، كما كان يدور حيث دار التابوت»[30]، وغيره.
نصوص جريان الإمامة في الأعقاب الثانية: نصوص جريان الإمامة بعد الحسين(عليه السلام) في الأعقاب من الأب لولده، دون الأخ والعم. ولذا يظهر من بعض النصوص تحيّر بعض الشيعة لتأخر ولادة الإمام الجواد، كحديث محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الإمام الرضا(عليه السلام): «أنه سئل أتكون الإمامة في عمّ أو خال؟ فقال: لا. فقلت: ففي أخ؟ قال: لا. قلت: ففي من؟ قال: في ولدي. وهو يومئذ لا ولد له»[31]. كما يظهر من بعضها أن ذلك أمر كان يستغله خصوم الإمام الرضا(عليه السلام)، كحديث الحسين بن بشار [يسار]: «كتب ابن قياما إلى أبي الحسن(عليه السلام) كتاباً يقول فيه: كيف تكون إماماً وليس لك ولد؟ فأجابه أبو الحسن الرضا(عليه السلام): وما علمك أن لا يكون لي ولد؟!. والله لا تمضي الأيام والليالي حتى يرزقني الله ولداً ذكراً يفرّق به بين الحق والباطل»[32]، وغيره. وعلى ذلك يتعين أن تكون الإمامة للإمام الجواد(عليه السلام)، لانحصار عقب الإمام الرضا(عليه السلام) به. ولاسيما مع عدم ظهور دعوى الإمامة لغيره بالنص، فضلاً عن كونه خلفاً للإمام الرضا(عليه السلام). ومن هنا كان الظاهر مفروغية الشيعة عن إمامة الإمام الجواد(عليه السلام) بعد أبيه(عليه السلام)، وإنما كان السؤال من بعضهم إما قبل ولادته لتحيرهم في أمر الإمامة بمقتضى الضوابط التي يعرفونها، أو بعد ولادته للتأكد والتثبت أو الجمود على سماع النص. وقد روى أحمد بن محمد بن عيسى عن الإمام الجواد (صلوات الله عليه) حديثاً طويلاً، وفي آخره: «فقال لي أبو جعفر(عليه السلام) ابتداء منه: ذهبت الشبهة، ما لأبي ولد غيري. قلت: صدقت جعلت فداك»[33].
صغر سن الإمام الجواد(عليه السلام) من شواهد التسديد الإلهي ويؤكد ذلك ما هو المعلوم من أهمية الإمامة عند الشيعة وقدسيتها ورفعة شأنها بمقاييسهم، فهي امتداد للنبوة، وهم يدّعون في الإمام دعاوى عريضة جداً ـ تبعاً لما ورد عن أئمتهم (صلوات الله عليهم) ـ من تميزه بالعصمة والكرامة على الله تعالى ومنه عز وجل، فهو من خاصته وخالصته، قد مكنه من مفاتيح علمه، وأورثه مواريث الأنبياء (صلوات الله عليهم)، وأقدره على التصرف في الكون وخرق نواميسه الطبيعية بصدور المعجز على يديه، وفرض على الناس طاعته والتسليم له. كما أن ثبوت الإمامة لأهل البيت (صلوات الله عليهم) أمر يضيق منه الجمهور الذين هم على خلاف خطهم. ولاسيما السلطان الذي يرى في الإمامة إنكاراً لشرعيته، والعلماء الذين يرون فيها استهواناً بعلمهم وكسراً لكبريائهم. ومن الظاهر أن الإمام الجواد (صلوات الله عليه) قد تقلد هذا المنصب العظيم في الثامنة من عمره الشريف، وهو عمر لا يؤهل الإنسان العادي لتحمل مسؤولية بيت واحد، بل ولا لتحمل مسؤولية شخصه وحده. كما أنه لم يكن محجوباً عن الناس، ليتسنى لأتباعه أن يحيطوه بهالة أسطورية، وينسجوا حوله دعاوى تقديسية لا سبيل لكشف حقيقتها. بل كان منفتحاً على الناس يخالطهم ويحتك بهم، فيتيسر لهم الإطلاع على واقعه في علمه وعمله وأفكاره وسلوكه. فلو لم يكن (صلوات الله عليه) حقيقاً بهذا المنصب العظيم، ومورداً لرعاية الله تعالى وعنايته وتأييده وتسديده بالنحو المناسب له، لانهار أمام هذه المسؤولية العظمى، وفضح أمام الناس خاصتهم وعامتهم. ولاسيما مع ما يملكه خصومه من قوة إعلامية هائلة قادرة على تتبع الثغرات والسلبيات وتضخيمها وتهويلها ونشرها بين الناس وإلفات أنظارهم إليها. وبذلك يقضون على منصب الإمامة من أقصر الطرق وأيسرها. لكنه (صلوات الله عليه) فرض شخصيته واحترامه على القريب والبعيد والعدو والصديق، وكان له كيانه المعتد به عند السلطة والجمهور، فضلاً عن شيعته ومواليه. وبذلك حفظ للإمامة هيبتها وبهاءها وقدسيتها وجلالها. ومما يزيد الأمر وضوحاً وجلاءً بخوع بعض مشايخ الطالبيين ممن يشاركونه في النسب ويتقدمون عليه في الطبقة، حيث لا يظهر له مبرر معقول إلا الإذعان لأمر الله تعالى فيه والتسليم لحكمه، لقوة بصيرتهم في إمامته(عليه السلام)، كعمه الحسين بن موسى بن جعفر، وعم أبيه السيد الجليل علي بن جعفر(رضي الله عنه). يقول الحسين بن موسى: «كنت عند أبي جعفر(عليه السلام) بالمدينة، وعنده علي بن جعفر، وأعرابي من أهل المدينة جالس، فقال لي الأعرابي: من هذا الفتى؟ وأشار بيده إلى أبي جعفر(عليه السلام). قلت: هذا وصي رسول الله(صلى الله عليه وآله). قال: يا سبحان الله رسول الله قد مات منذ مائتي سنة، وهذا حدث، كيف يكون هذا وصي رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟! قلت: هذا وصي علي بن موسى، وعلي وصي موسى بن جعفر، وموسى وصي جعفر بن محمد، وجعفر وصي محمد بن علي، ومحمد وصي علي بن الحسين، وعلي وصي الحسين، والحسين وصي الحسن، والحسن وصي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعلي بن أبي طالب وصي رسول الله(صلى الله عليه وآله). قال: ودنا لطبيب ليقطع له العرق، فقام علي بن جعفر، فقال: يا سيدي يبدؤني، لتكون حدة الحديد فيّ قبلك. قال: قلت [يعني: للأعرابي]: يهنك، هذا عم أبيه. قال: فقطع له العرق. ثم أراد أبو جعفر(عليه السلام) النهوض، فقام علي بن جعفر، فسوى له نعليه حتى يلبسهما»[34]. وعن محمد بن الحسن بن عمار قال: «كنت عند علي بن جعفر بن محمد جالساً بالمدينة ـ وكنت أقمت عنده سنتين أكتب عنه ما يسمع من أخيه، يعني: أبا الحسن(عليه السلام) ـ إذ دخل عليه أبو جعفر محمد بن علي الرضا(عليه السلام) المسجد، مسجد الرسول(صلى الله عليه وآله)، فوثب علي بن جعفر بلا حذاء ولا رداء، فقبل يده وعظمه، فقال له أبو جعفر: يا عم اجلس رحمك الله. فقال: يا سيدي كيف أجلس وأنت قائم؟ فلما رجع علي بن جعفر إلى مجلسه جعل أصحابه يوبخونه، ويقولون: أنت عم أبيه وأنت تفعل به هذا الفعل! فقال: اسكتوا. إذا كان الله عزّ وجلّ ـ وقبض على لحيته ـ لم يؤهّل هذه الشيبة، وأهّل هذا الفتى، ووضعه حيث وضعه، أنكر فضله؟! نعوذ بالله مما تقولون، بل أنا له عبد»[35]. وعن علي بن جعفر أنه قال: «قال لي رجل من الواقفة: ما فعل أخوك أبو الحسن؟ قلت: قد مات. قال: وما يدريك بذاك؟ قال: قلت: قسمت أمواله، وأنكحت نساؤه، ونطق الناطق بعده. قال: ومن الناطق من بعده؟ قلت: ابنه علي. قال: فما فعل؟ قلت له: مات. قال: وما يدريك أنه مات؟ قلت: قسمت أمواله، ونكحت نساؤه، ونطق الناطق بعده. قال: ومن الناطق من بعده؟ قلت: أبو جعفر ابنه. قال: فقال لي: أنت في سنك وقدرك، وأبوك جعفر بن محمد، تقول هذا القول في هذا الغلام. قال: قلت: ما أراك إلا شيطاناً. قال: ثم أخذ بلحيته فرفعها إلى السماء، ثم قال: فما حيلتي إن كان الله رآه أهلاً لهذا ولم يكن هذه الشيبة لهذا أهلاً»[36]. والإنصاف أن ذلك بمجموعه من أقوى الأدلة على إمامته وإمامة آبائه(عليهم السلام) من قبله ـ لأن إمامته فرع إمامتهم ـ وأصدق الشواهد على حقية دعوة الإمامة، وسلامة مسيرتها الظافرة، وعلى عناية الله تعالى بها ورعايته لها، و﴿إن يَنصُركُم اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُم﴾[37]. ويجري هذا بعينه في ولده الإمام أبي الحسن علي بن محمد الهادي(عليه السلام)، الذي تسنم هذا المنصب الرفيع في مثل سن الإمام الجواد(عليه السلام). بل ذكرنا في الجزء الثالث من كتابنا (في رحاب العقيدة) عند التعرض للقرائن المؤيدة للنص أن ذلك يجري في الأئمة بمجموعهم، إلا أن للإمامين الجواد والهادي(عليهما السلام) تميزهما بسبب صغر السن. ومن أجل ذلك خصصناهما بهذا الحديث.
الإمام علي بن محمد الهادي(عليه السلام) 7ـ الإمام أبو الحسن علي بن محمد الهادي (صلوات الله عليه). وقد يلقب بالنقي. وقد ورد في النص على إمامته أحد عشر حديثاً، وإذا أضيف إليها ما سبق في الطائفة الأولى زادت نصوص إمامته على سبعين حديثاً. ويضاف إليها أحاديث جريان الإمامة في الأعقاب من الأب لولده، ولا تكون في أخ ولا عم ولا خال. والإمام الجواد(عليه السلام) وإن كان له ولد آخر، وهو موسى المبرقع، إلا أنه لم يعرف عنه ولا عن غيره دعوى الإمامة له. فانحصر الأمر بالإمام الهادي(عليه السلام). كما يؤيد ذلك بنظير ما تقدم في الإمام الجواد(عليه السلام) من تسديد الله تعالى له، لمشاركته له في تسنم منصب الإمامة وهو صغير السن، كما تقدم.
الإمام الحسن بن علي العسكري(عليه السلام) 8ـ الإمام أبو محمد الحسن العسكري (صلوات الله عليه). وقد ورد النص على إمامته في أربعة وعشرين حديثاً. وإذا أضيف إليها نصوص الطائفة الأولى تقارب نصوص إمامته التسعين حديثاً. ويضاف إليها نصوص جريان الإمامة في الأعقاب، حيث لم ينقل عن أحد دعوى الإمامة عند مضي الإمام الهادي(عليه السلام) لغير الإمام العسكري(عليه السلام)، بل ادعيت له(عليه السلام) لا غير، وادعاها هو وزاول نشاطها. نعم ادعاها أخوه جعفر وادعيت له بعد وفاة الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)، لدعوى: أن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) لم يعقب، لتكون الإمامة في عقبه. وافترق القائلون بإمامته فرقتين: الفرقة الأولى: تدعي أنه الإمام الثاني عشر بعد أخيه الإمام العسكري(عليه السلام) من دون أن تمنع من إمامة الإمام العسكري(عليه السلام). وهي لا تختلف مع الإمامية في إمامته(عليه السلام). مع أنه يبطل قولها.. أولاً: نصوص جريان الإمامة في الأعقاب، وعدم انتقالها إلى أخ أو عم أو خال. وثانياً: ما تضمن من النصوص الكثيرة جداً أن الإمام الثاني عشر هو المهدي، وأن اسمه اسم النبي(صلى الله عليه وآله)، وأنه هو الذي يظهر الله على يديه الحق، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً. ومن الظاهر عدم انطباق ذلك على جعفر. الفرقة الثانية: تدعي أن جعفر هو الإمام الحادي ع%D
|